الياس شوفاني
132
الموجز في تاريخ فلسطين السياسي
ومسّادا والمكوّر وغيرها ، فقد بنى مدينتين كبيرتين ، هما : قيساريا ( قيصرية ) على موقع حصن ستراتون ، وسبسطية على موقع السامرة . وبلغت قيساريا على الساحل شأنا عظيما في ضخامتها وأهميتها الاقتصادية ، إذ أصبحت الميناء الرئيسي لمملكة هيرودوس . وسبسطية ، التي أحب الملك موقعها ، بناها على النمط الهليني ، بإذن من الإمبراطور ، ودعاها على اسمه ، فحسنها وزينها ، ووطّن فيها أعدادا من جنوده المسرحين وأقطعهم الأراضي . كما أقام لنفسه فيها قصرا فخما ، وبنى منتجعا في أريحا ، وملاذا في مسّادا ، على البحر الميت . واهتمامات هيرودوس العمرانية لم تتوقف على المباني الفخمة والقصور الجميلة فحسب ، بل تجاوزتها إلى القلاع والحصون في المواقع الاستراتيجية ، ومنها : المكور ( شرقي البحر الميت ، حيث سجن وأعدم يوحنا المعمدان ) وحشبون وألكسندرون ومسادا وهوركانيا ( السجن الرهيب الذي أعدم فيه الكثيرون من خصوم هيرودوس ) . وعدا البناء ، اهتم بتطوير الزراعة واستصلاح الأراضي ، وبناء قنوات الري ، وخصوصا في غور الأردن ومنطقة أريحا . وكذلك أولى عناية خاصة لتحسين الطرق وبناء الجسور والموانىء ، وضبط الأمن على خطوط التجارة . فقد اهتم بطرق التجارة الشرقية ( طريق الملك ) ، التي كانت تمر عليها التوابل والعطور العربية إلى دمشق وغزة ، وبالقرب من غزة جدّد ميناء أنتيدون . لقد أمّن هيرودوس نفسه على صعيد العلاقة مع روما . وكذلك ، وبوسائل متعددة - قمع وقبضة حديدية وإرهاب وشرطة سرية ودسائس وجهاز رقابة ضخم . . . إلخ - حال دون تبلور معارضة محلية فاعلة . وإذ أخذ احتياطات واسعة لحماية نفسه - حصون وملاذات وحرس شخصي غير يهودي وبطانة مخلصة . . إلخ - فقد جاءته المفاجأة من داخل بيته . ففي السنوات الثماني الأخيرة من حكمه ، دبّ الصراع بين أبنائه ، من زوجات متعددات بشأن الميراث . وكان الأخطر عليه ابنا مريم الحشمونية ، ألكسندر وأرسطوبولوس ، فأعدمهما ، أسوة بوالدتهما وجدتهما من قبل ، لتآمرهما عليه بهدف إعادة الحشمونيين إلى الملك . وسرعان ما برز ابنه البكر ، أنتيباتر فأعدمه أيضا . ثم عين ابنا صغيرا ، أنتيباس وليا للعهد . لكنه على فراش الموت تراجع ، وكتب وصية فتحت باب الصراع بين الباقين من أبنائه بشأن الميراث . وقبل أيام من موته ، وبعد أن أعدم أنتيباتر ، عيّن أرخيلاوس ملكا مكانه ، وأنتيباس واليا على الجليل وفيلبّس على الجولان وتراخونيا والباشان وبانياس ، لكن الوصية كانت معتمدة على موافقة القيصر الروماني . وأمام أكتافيوس في روما طرحت دعاوى متعددة . وبينما سعى كل واحد من أبناء هيرودوس للحصول على تعيين من